محمد متولي الشعراوي

2614

تفسير الشعراوى

وسبحانه وتعالى حينما خلق الخلق جعلهم أهل أغيار ؛ لذلك لم يشأ أن يخرج مذنبا بذنب عن دائرة قدرته ورحمته ، بل إنه - سبحانه - شرع التوبة للمذنب حماية للمجتمع من استشراء شره . فلو خرج كل من ارتكب ذنبا من رحمة اللّه ، فسوف يعاني المجتمع من شرور مثل هذا الإنسان ، ويصبح كل عمله نقمة مستطيرة الشر على المجتمع . إذن فالتوبة من اللّه ، مشروعية وقبولا ، إنما هي حماية للبشر من شراسة من يصنع أول ذنب . وهكذا جاءت التوبة لتحمى الناس من شراسة أهل المعصية الذين بدأوا بمعصية واحدة . إن الذين وقفوا في محاولة تبرئة « ابن أبيرق » انقسموا إلى قسمين : قسم في باله أن يبرئ « ابن أبيرق » ، وقسم في باله ألا يفضح مسلما . وكل من القسمين قد أذنب . ولكن هل يخرجهم هذا الذنب من رحمة اللّه ؟ . لا ، فسبحانه يقول : « يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً » والحق يعفو عن تلك المسألة . إن القسمين جميعا أصبحوا مطالبين بعمل طيب بعد أن أوضح لهم الرسول ، وفهموا مراد الحق . وسبحانه يبقيهم في الصف الإيمانى ، وقد حكم رسول اللّه على « ابن أبيرق » لصالح اليهودي ، وبعد ذلك ارتد « ابن أبيرق » ، وذهب إلى مكة مصاحبا لعادة الخيانة ، فنقب حائطا على رجل ليسرق متاعه فوقع الحائط عليه فمات . والحق سبحانه يضع المعايير ، فمن يرتكب ذنبا أو يظلم نفسه بخطيئة ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفورا رحيما . ونلاحظ أن بعض السطحيين لا يفهمون جيدا قول الحق : « وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً » فيتساءلون : أليس الذي ارتكب العمل السئ قد ظلم نفسه ؟ ونقول : إن دقة القرآن توضح لنا المعنى ؛ فمعنى عمل سوءا أضرّ بهذا العمل آخرين ، إنّه غير الذي ارتكب شيئا يضرّ به نفسه فقط ؛ فالذي سرق أو قتل أو اعتدى على آخر قذفا أو ضربا أو إهانة ، مثل هذه الأعمال هي ارتكاب للسوء ؛ فالسوء هو عمل يكرهه الناس ، ويقال : فلان رجل سوء ، أي يلقى الناس بما يكرهون . لكن الذي يشرب الخمر قد يكون في عزلة عن الناس لم يرتكب إساءة إلى أحد ،